الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

الكندي... الرائد المنبوذ

الكندي... الرائد المنبوذ
*عبدالله المطيري                               
 تثير سيرة أبي إسحاق الكندي التي وصلت إلينا عدة أسئلة فمن جهة فالكندي  مجهول تاريخ الميلاد وهذا مفهوم ولكنه في نفس الوقت مجهول تاريخ الوفاة رغم أن الاحتمالات ترجح أنها حدثت في 260هـ ، تثير هذه القضية التساؤل لأنه في الوقت الذي كانت تسجّل فيه تواريخ وفاة الشخصيات المشهورة باليوم وأحيانا بالساعة فما بالك بالسنة نجد أن الكندي  وهو رجل الدولة والعلم المعروف يبقى مجهول الميلاد والوفاة وكأن هناك رغبة مضمرة في إنكار وجوده. أمر آخر يثير الاستشكال وهو أن الكندي يظهر هكذا وكأنه مبتور في سلسلة العلم في عصره فلا يعرف له شيوخ ولا يعرف له تلاميذ ونحن نعرف أن هاتين القضيتين ذات أهمية كبرى في تاريخ أي عالم في ذلك الوقت حيث كان يأخذ العلماء قيمتهم واحترامهم من خلال سلسة العلماء التي يندرجون فيها. ففي تعريفه بالكندي لا يذكر ابن النديم في الفهرست بعد نسبه سو أنه "بخيل"!! ولا يورد تواريخا ولا شيوخا ولا تلاميذ سوى أسماء تثير الريبة أكثر مقطوعة السند (حسنويه ، ونفطويه ، وسلمويه ) وآخرون على هذا الوزن... ثم يذكر بعد ذلك حوالي 241 عنوانا لمؤلفاته المنوعة!!

 عاش الكندي في بغداد الشابة، بغداد التي كانت تعجّ بحركة علمية فريدة . بيت الحكمة في أوجه والخلفاء يدعمون الترجمة بسخاء والجماعات العلمية القادمة من جنديسابور، حران ، الرها، وأنطاكية كانت قد كوّنت طبقة من المشتغلين بالتنجيم والكيمياء والفلسفة والطب. لنلقي أولا نظرة سريعة على حركة الترجمة  التي انطلقت تحديدا في عصر المنصور باعتبارها ظاهرة اجتماعية كبيرة كما فعل أستاذ اللغة العربية بجامعة ييل ديميتري غوتاس في كتابه الفكر اليوناني والثقافة العربية . حيث تزامنت هذه الحركة مع حراك اجتماعي وسياسي واقتصادي أنتج أكبر طبقة من المشتغلين بالعلوم في التاريخ الإسلامي الأول. في هذه الأجواء قدم الكندي ليختار ( نفقد التعليل في الوثائق بسبب فقدان السيرة الذاتية المبكرة) الفلسفة كمجال للمعرفة كأول عربي يسير في هذا الاتجاه. كان خط الفلسفة أحد الخطوط الكبيرة في ذلك الوقت وإن كان لا يقارن بخط الفقه والحديث وعلم الكلام والنحو والأدب وغيرها من المجالات المعرفية.

 ولذا  لقّب الكندي ومنذ البداية بفيلسوف العرب بمعنى أنه الفيلسوف الأول من أصول عربية وبعد هذا درجت العادة أن يؤرخ للفلسفة الاسلامية انطلاقا من الكندي في إهمال كبير لعدد من المترجمين الذين كان لهم إسهام فلسفي يتوازى مع إسهام الكندي مثل جابر بن حيّان وابن ناعمه وقسطا بن لوقا ويحي بن عدي وثابت بن قرّة وحنين بن إسحاق وغيرهم. وقد يفسّر هذا برغبة المؤرخين في وضع بداية عربية لهذه الحركة الفلسفية فيما كان كل المشتغلين بالفلسفة قبل الكندي من غير العرب.

   كيف وجد الكندي نفسه داخل السياقات المعرفية في وقته؟  هل تم تقبّل الكندي ، العربي داخل السياق الفلسفي المحتكر من غير العرب في ذلك الوقت؟ يمكن الجواب عن ذلك بالإيجاب ولكن جزئيا ولعل ذلك قد تم ذلك بدعم رسمي. اختفاء السلسلة العلمية للكندي مؤشر على ذلك فنحن لا نعرف أساتذته الذين تعلم عليهم ولا حتى علاقته الرسمية بدار الحكمة ، أغلب الروايات تذهب إلى أن الكندي كان مقوّما للترجمات على اللسان العربي. ويؤكد بدوي على أن الكندي لم يكن مترجما رغم أن عدد من الروايات تذهب إلى معرفته باليونانية والسريانية ، فيما يذهب الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه "تاريخ حكماء الإسلام" إلى أن الكندي كان من أوائل المترجمين لأفلاطون وأرسطو  . ورغم هذا الاتصال بالترجمة إلا أن الكندي لم يحز على رئاسة دار الحكمة التي تتابع عل رئاستها في فترة الكندي يوحنا بن ماسويه ثم خلفه على رئاستها حنين بن إسحاق وكلاهما من غير العرب. الحقيقة أنه رغم الاعتراف التاريخي بريادة الكندي الفلسفية إلا أن مكانته كفيلسوف بقيت مدار تساؤل واختلاف.
  من جهة أخرى هل تم تقبل الكندي كفيلسوف داخل السياق الثقافي العربي في ذلك الوقت؟ الجاحظ المعاصر للكندي ألف كتابا بعنوان " فرط جهل يعقوب بن إسحاق الكندي" وهو من كتبه المفقودة كما أنه تجاهل مؤلفاته في كتاب الحيوان وعرّفه بأنه " أخذ من طرف الفلسفة وجمع بين علم السماع وعلم التجربة" ثم سخر منه سخرية مرّة من خلال إيراد طرفة مرتين يقول " كان عند يعقوب بن الصبّاح الأشعتي ، هرّان ضخمان ، أحدهما يكوم ( ينكح ) الآخر متى أراده من غير إكراه". وفي كتاب البخلاء ذكر الجاحظ الكندي بوصفه رمزا ومثالا للبخل وتحدث الجاحظ عن الكندي في (كتاب البخلاء)، مركزا على صفة البخل؛ فقد  جعله غنيا يملك دُوراً للكراء، ويشترط على السكان"أن يكون له رَوْثُ الدبة، وبعَرُ الشاة ونَشوان العَلوفة ، وألاَّ يُلقُوا عظْماً، ولا يُخرجوا كُساحةً، وأن يكون له نَوى التمْر، وقشور الرمان، والغَرْفة من كل قِدْرٍ تُطبَخُ للحُبلى في بيته". ويربط بَذْلّ المال بالمعتقد على طريقته؛ فالبَذْلُ ابتذالٌ للنعمة، و به يُهين الإنسان نفسّه بإكرام غيره"،:فإن من أخطاَ على نفسه، فهو أجدرُ أن يُخطئ على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين؛ كان أجدرَ أن يُخطئ في باطن دينه، وفيما يوجد من العقل".  والغريب حقا أن يجعل الجاحظ الكندي بطله في أطول قصة في بخلائه، وأن يستحضر طاقته الفنية بكل مقوماتها لتحليل شخصية البخيل. وغايتُه أن يُخلِّد بخلَ الكندي في مظاهره الاجتماعية والنفسية. ويرى عبّاس أرحيله الذي اعتمدنا عليه في هذه النقولات أن المسألة أعمق من الحسد بين الأقران، فهي لا تُفسَّرُ بحسد الجاحظ وسلاطة لسانه. ولعل حقيقة الموقف تُلتمس في القضايا الفكرية التي يختلفان حولها. ويبدو أن الخلفية الأساسية لهذا الموقف هي أن الكندي شديد التأثر بالفلسفة اليونانية والاعتماد عليها، والجاحظ يقف موقفا حذراً منها. كما رُويَ عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس، وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشواً! فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: (عبد الله قائم)، ثم يقولون: ( إن عبدَ الله قائمٌ)، ثم يقولون: (إن عبد الله لقائمٌ)؛ فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة اختلاف الألفاظ. فقولهم: (عبد الله قائم)؛ إخبارٌ عن قيامه، وقولهم: (إن عبدَ الله قائمٌ)، جوابُ سؤال سائل، وقولهم: (أن عبد الله لقائمٌ)، جوابٌ عن إنكار مُنكر قيامَه. فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال: فما أحار المتفلسف جوابا". من العسير جدا تقبل أن الكندي بمكانته العلمية يجهل مثل هذا الاستخدام للألفاظ العربية ولكن الحكاية توحي إلى خلاف فكري بين علماء النحو والفلسفة أو بين النظام المعرفي البياني والنظام المعرفي البرهاني في العقل العربي بحسب تحديدات محمد عابد الجابري. في المقالة القادمة سنتعرف على تفاعل الكندي مع السياقات الفكرية في عصره وموقفه من القضايا الفلسفية والثقافية في عصره.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق